أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
581
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
والثاني : أنه منصوب على إسقاط حرف الجر وهو « على » ، فإنّ « عزم » يتعدّى بها ، قال : عزمت على إقامة ذي صباح * لأمر ما يسوّد من يسود « 1 » وحذفها جائز كقول عنترة : 1007 - ولقد أبيت على الطّوى وأظلّه * حتّى أنال به كريم المطعم « 2 » أي : وأظلّ عليه . والثالث : أنه منصوب على المصدر ، فإنّ المعنى : ولا تعقدوا عقدة ، فكأنه مصدر على غير الصدر ، نحو : قعدت جلوسا ، والعقدة مصدر مضاف للمفعول والفاعل محذوف ، أي : عقدتكم النكاح . قوله : فَاحْذَرُوهُ الهاء في « فاحذروه » تعود على اللّه تعالى ، ولا بدّ من حذف مضاف أي : فاحذروا عقابه . ويحتمل أن تعود على « ما » في قوله « ما في أنفسكم » بمعنى ما في أنفسكم من العزم على ما لا يجوز ، قاله الزمخشري . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 236 ] لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ ( 236 ) قوله تعالى : ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ : في « ما » هذه ثلاثة أقوال : أظهرها : أن تكون مصدرية ظرفية ، تقديره : مدة عدم المسيس كقوله : 1008 - إنّي بحبلك واصل حبلي * وبريش نبلك رائش نبلي « 3 » ما لم أجدك على هدى أثر * يقرو مقصّك قائف قبلي والثاني : أن تكون شرطية بمعنى إن ، نقله أبو البقاء . وليس بظاهر ، لأنه يكون حينئذ من باب اعتراض الشرط على الشرط ، فيكون الثاني قيدا في الأول نحو : « إن تأت إن تحسن إليّ أكرمك » أي : إن أتيت محسنا ، وكذا في الآية الكريمة : إن طلقتموهن غير ماسين لهن ، بل الظاهر أنّ هذا القائل إنما أراد تفسير المعنى ، لأنّ « ما » الظرفية مشبّهة بالشرطية ، ولذلك تقتضي التعميم . والثالث : أن تكون موصولة بمعنى الذي ، وتكون للنساء ؛ كأنه قيل : إن طلّقتم النساء اللائي لم تمسّوهنّ ، وهو ضعيف ، لأنّ « ما » الموصولة لا يوصف بها ، وإن كان يوصف بالذي والتي وفروعهما . وقرأ الجمهور : « تمسّوهنّ » ثلاثيا وهي واضحة . وقرأ حمزة والكسائي : « تماسّوهنّ » من المفاعلة ، فيحتمل أن يكون فاعل بمعنى فعل كسافر ، فتوافق الأولى ، ويحتمل أن تكون على بابها من المشاركة ، فإنّ الفعل من الرجل
--> ( 1 ) تقدم . ( 2 ) انظر ديوانه ( 187 ) ، شرح القصائد العشر ( 325 ) . ( 3 ) البيتان لامرئ القيس انظر ديوانه ( 239 ) ، وهو من شواهد البحر ( 2 / 231 ) .